للاطلاع على آخر المعلومات والمستجدات من مؤسسة قطر حول فيروس كورونا، يرجى زيارة صفحة التصريحات الخاصة بمؤسسة قطر
خريج جامعة حمد بن خليفة وموظف مؤسسة قطر يروي مأساته في أكبر مجزرة بأوروبا منذ الحرب العالمية الثانية
بعد خمسين عامًا من اعتقاد العالم أن أهوال الهولوكوست ولّت إلى غير رجعة، وقعت إبادة جماعية على الأراضي الأوروبية. فارتبط اسم سريبرينيتسا بأيام يوليو 1995 المُظلمة، حيث قُتل آلاف الرجال واليافعين بشكل منهجي ودفنوا في مقابر جماعية إبّان إعلان الأمم المتحدة أن منطقة سريبرينيتسا آمنة تمامًا. وقد تم اختيار الضحايا، ومعظمهم من المسلمين، على أساس هويتهم، لتكون هذه أسوأ مذبحة تشهدها القارة العجوز منذ الحرب العالمية الثانية.
في يوم الأحد، 11 يوليو 2021، سيجتمع الآلاف في منطقة بوتوتشاري البوسنة والهرسك، لإحياء الذكرى السادسة والعشرين للإبادة الجماعية في سريبرينيتشا. حيث أعلن البرلمان الأوروبي في عام 2009، يوم 11 يوليو، يومًا رسميًا لإحياء ذكرى ضحايا سريبرينيتشا. في مثل هذا اليوم من كل عام، يُدعى الناس في جميع أنحاء العالم إلى تكريم الضحايا والناجين من الإبادة الجماعية.
وحيد سوليتش، خريج جامعة حمد بن خليفة عضو مؤسسة قطر، هو أحد الناجين من حرب البوسنة والإبادة الجماعية في سريبرينيتشا، وكان عندها طفلًا في التاسعة من عمره.
وحيد سوليتش في النصب التذكاري للإبادة الجماعية في سريبرينيتسا.
ولد وحيد في قرية صغيرة اسمها فولجافيكا بالقرب من الحدود مع صربيا. في مايو 1992، بدأ الجنود الصرب في تعذيب سكان القرى المجاورة وقتلهم، ونُقل من بقي منهم على قيد الحياة إلى معسكرات الاعتقال. اختبأ هو وعائلته وعدد من أهالي القرية، لفترة من الوقت في الغابة القريبة من منزلهم، خشية أن يلاقوا مصير جيرانهم. ثم قرروا الفرار سيرًا على الأقدام إلى سريبرينيتشا التي كانت تحت سيطرة الجيش البوسني الشرعي. في الطريق إلى هناك، نجت العائلة من كَمينين، بينما لم يحالف الحظ بعض من كانوا معهم من أهل القرية.
عندما وصلوا إلى سريبرينيتشا، عاشوا في منزل أحد الأقارب لفترة قصيرة ثم انتقلوا إلى شقة أخرى، ولا ينسى وحيد كيف كانوا يبحثون طوال الوقت عن الطعام.
بينما كان الناس نيام، رأيت جنودًا صربيين يفصلون الرجال ويأخذونهم بعيدًا عن عائلاتهم
وخلال معاناة سربرنيتشا، في الفترة من 6 إلى 12 يوليو 1995، من سلسلة هجمات نفذها جيش صرب البوسنة والقوات شبه العسكرية الصربية، التي كانت تحاول إخضاع هذه المنطقة منذ عام 1992، ذهب وحيد وأسرته ومن تبقى من أهل القرية إلى قاعدة الأمم المتحدة التي تُعززها آنذاك جنود الكتيبة الهولندية، وذلك طلبًا للحماية، وقد حلّت هذه القاعدة محلّ مصنع للبطاريات. من هناك، ذهب والد وحيد عبر الغابات نحو المناطق الآمنة، حيث أدرك أن بقاءه مع العائلة قد يقلّص فرصها في النجاة.
داخل مصنع البطاريات وخارجه أي القاعدة الأممية، جاء الآلاف لطلب الحماية. وصار جليًا أن الجنود الهولنديين الأمميين لم يكونوا على دراية كافية بكيفية احتواء هذا العدد من العائلات. يقول وحيد: "في تلك اللحظات، كانت المعارك الضارية تدور من حولنا، وكان الجميع خائفين. وبينما كان الناس نيام، رأيت جنودًا صربيين يفصلون الرجال ويأخذونهم بعيدًا عن عائلاتهم".
يتذكر وحيد سماعه رجالًا يصرخون ويطلبون المساعدة كل ليلة. بعد ثلاثة أيام، وصلت الحافلات. "قالوا إن النساء والأطفال سينتقلون إلى توزلا، وهي منطقة يسيطر عليها الجيش الشرعي للبوسنة والهرسك. وعلى جميع الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و77 البقاء وانتظار وصول الدفعة التالية من الحافلات". بقي وحيد مع عمه، بعد ترحيل أبيه، لكن سرعان ما فُصل عمه قسرًا عن أسرته على يد الجنود الصرب.
لم يقتصر دور مؤسسة قطر على إثراء تعليمي الأكاديمي فحسب، بل قدمت لي دروسًا قيمة في الحياة
صعد وحيد إلى الحافلة على أمل أن يقابل أحباءه مرة أخرى في توزلا. في الطريق إلى هناك، شاهد الرجال الأسرى يُقادون نحو موتهم رميًا بالرصاص، ورأى بينهم جيرانه الذين كان يلهو بينهم قبل الحرب، وقد بدا الخوف الشديد على وجوههم.
وصل وحيد إلى توزلا، حيث عاش مع من تبقى من أسرته في مخيمٍ للاجئين. بعد ذلك نُقلوا إلى قرية أخرى. وخلال تلك الأيام، لم يكن يعرف ما حدث لوالده وأعمامه وأقاربه الآخرين. وبعد سبعة أيام من عبور الخطوط الصربية والكمائن، تمكّن والده من النجاة، لكن معظم الأقارب الآخرين لم يتمكنوا من ذلك. فقبل عامين، تلقى هو وعائلته مكالمة هاتفية تخبرهم أنه عثر على جثث أعمامه في مقابر جماعية.
بحلول 11 يوليو 1995، تغير عالم وحيد كثيرًا، حيث فقد كثيرًا من أقاربه خلال أيام قليلة، وصار جيله يعرف باسم "الجيل الضائع"، وهم أطفال صغار بلا أحلام ولا مستقبل. تمحورت طفولته خلال الحرب حول شيء واحد فقط، وهو البقاء على قيد الحياة.
خلّفت تلك الأيام السوداء في البوسنة جيلًا يعاني من الصدمات التي خلفتها الحرب، فقد شهد وحيد أهوالاً لا يمكن نسيانها. لكنه تابع سيره نحو النور في آخر النفق، واستعاد، في قطر، حياته وأحلامه التي سُرق منها.
يجب علينا جميعًا أن نظل يقظين ضد هذه القوى، وأن نتخذ إجراءات لبناء مجتمعات أقوى وأكثر قدرة على الصمود
حصل وحيد على منحة دراسية للطلبة الدوليين في قطر، فعاش في مدينة الدوحة وأعجب بثقافاتها المتعددة ومجتمعها المتنوع. بعد حصوله على درجة البكالوريوس من جامعة قطر، استفاد من الفرص المتاحة في قطر، وواصل تعليمه في جامعة حمد بن خليفة، حيث حصل على درجة الماجستير في السياسة العامة في الإسلام.
يصف وحيد الوقت الذي قضاه في جامعة حمد بن خليفة بالثمين من نواح كثيرة، فيقول: "لم يقتصر دور مؤسسة قطر على إثراء تعليمي الأكاديمي فحسب، بل قدمت لي دروسًا قيمة في الحياة. كانت المساقات الأكاديمية مثيرة للاهتمام وتبعث على التحدي، المحاضرات رائعة، وظهرت نتائجها جليّةً في نهاية كل فصل دراسي"
يصادف شهر يوليو ذكرى الإبادة الجماعية في سريبرينيتشا لأكثر من 8000 شخص.
عززت مؤسسة قطر استقلاليته، وخبرته، وثقته بنفسه، وساعدته على تحديد أهدافه. اكتسب خبرة مميزة في مؤسسة قطر من خلال حضوره وعمله في العديد من المشاريع والفعاليات ذات المستوى الدولي. كانت السياسة العامة دائمًا ذات أهمية كبيرة بالنسبة له كونها تسعى نحو إيجاد حلول ملموسة للمشاكل العملية، وذلك باستخدام النظريات والأدلة في تصميم وتنفيذ وتقييم السياسات بهدف تحسين الظروف المعيشية للمواطنين في الدولة وحول العالم.
الدرس المستفاد من سريبرينيتشا هو أنه لا يوجد مجتمع محصن ضد التحيز والتعصب. يقول وحيد: "يجب علينا جميعًا أن نظل يقظين ضد هذه القوى، وأن نتخذ إجراءات لبناء مجتمعات أقوى وأكثر قدرة على الصمود".
يعمل وحيد حاليًا في مؤسسة قطر، وهو مؤسس أكبر منصة طلابية في قطر، وتدعى حياة الطلاب والحرم الجامعي في قطر، ولديها حسابات على وسائل التواصل (@Students_Qatar).