للاطلاع على آخر المعلومات والمستجدات من مؤسسة قطر حول فيروس كورونا، يرجى زيارة صفحة التصريحات الخاصة بمؤسسة قطر
يرى أوريليو أمارال رئيس مسار منظومات التعلّم في مؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم (وايز)، إحدى مبادرات مؤسسة قطر، أنّ التعلّم والنمو ليسا بالضرورة أن يكونا مرتبطين بالمدرسة، فشغف المرء بالتعلم هو السبيل لإيجاد مُتعلّمين أكثر تفاعلًا على الأمد الطويل
هل بوسعنا التعلّم واكتساب المعرفة بمجرد إمعان النظر في البيئة المحيطة بنا، أو بالتفاعل مع أفراد مجتمعاتنا ومنظماتها؟ إجابة هذا السؤال واضحة وضوح الشمس، فلا شكّ أن هذا المحيط يحتضن كثيرًا من فرص النمو للشباب تتجاوز ما تمنحه المدارس داخل أسوارها. ويطرح هنا سؤال نفسه، كيف باستطاعة المدارس الاستفادة من الدروس التي تقدّمها الجهات الفاعلة في مجتمعنا، التي لا تندرج تحت فئة الجهات التعليمية، ولكن بوسعها تقديم إسهامات جمّة في عملية التعلّم نفسها؟
وسعيًا منهم إلى تعزيز مشاركة الطلاب داخل المدارس، لجأ كثير من مديري المدارس ومعلميها إلى توفير فرص التعلم الواقعية بكثرة خارج الفصول الدراسية
أحد أصعب التحديات التي يواجهها قادة المدارس العامة والخاصة في دولة قطر يتمثل في تحفيز الطلاب وحثّهم على التعلم. وليس هذا مجرد ادعاء أجوف، إذ تدعمه نتائج أولية لمشروع بحثي عملي يجريه مؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم (وايز)، شمل إجراء استقصاء شارك به أكثر من 100 مدرسة عامة وخاصة ومقدمي خدمات تعليمية غير نظامية في دولة قطر.
وسعيًا منهم إلى تعزيز مشاركة الطلاب داخل المدارس، لجأ كثير من مديري المدارس ومعلميها إلى توفير فرص التعلم الواقعية بكثرة خارج الفصول الدراسية، لا سيّما تلك المرتبطة بالمناهج الدراسية التي يدرسها الطلاب. وتعكس في الوقت نفسه المجالات التي تحوز على اهتماماتهم وشغفهم. ومثال ذلك، تنظيم الزيارات إلى أرباب العمل والمؤسسات الثقافية، أو إجراء حوارات افتراضية، نظرًا للظروف التي فرضتها جائحة كوفيد-19 وما استتبعها من تركيز على التعلم الإلكتروني، مع قادة وروّاد مخضرمين في مجالات عديدة، وذلك سعيًا منهم إلى إضفاء صبغة التعلم على الأنشطة الحياتية التي يمارسها الطلاب.
التعلم في الهواء الطلق بمدرسة في الولايات المتحدة. المصدر: رويترز / شبكة يو إس إيه توداي
ثمّة أدلة وجيهة أوردتها إحدى المراجعات البحثية المنهجية تثبت أن انخراط الشركاء الخارجيين أمر "مهم لتهيئة السبيل أمام إجراء حوار مثمر وتيسير عملية تضافر الجهود عند استحداث المعارف وإمعان النظر في الممارسات اللازمة لإعانة المعلمين على تأسيس بيئات تعلم إبداعية". وتثبت الأدلة كذلك أن وضع الشباب في بيئات تعلم غير تقليدية والتفاعل مع أناس جدد يجعلهم أكثر ميلًا للانخراط في عملية التعلم أو إثارة بعض الفضول لديهم على أقل تقدير.
ولكن، هل حقًا توّلد تجارب "العالم الواقعي" قدر أكبر من الاهتمام لدى الطلاب على المدى القصير، وإنما تمتد أيضًا إلى تعزيز دوافعهم نحو تعلّم طويل الأمد؟ إحدى الإجابات على هذا التساؤل، هي: نعم. وأحد التفسيرات التي تبرر هذه الإجابة هي العلاقات والروابط الشخصية التي يشكلّها الشباب مع الموضوعات والمفاهيم التي يتعلمونها وينخرطون فيها.
لا يتأثر الطلاب المحرومون من التعليم في الغالب إلا بالدوافع الخارجية، مثل الحصول على درجة بعينها لاجتياز اختبار ما. إلا أنه هناك أدلة تستبعد قدرة الأنظمة التعليمية التي تركز حصرًا على منطق الثواب والعقاب الخارجي "على غرس حافز دائم ومثمر". في الجانب المقابل، كلمّا ازدادت فرص حصول الطلاب على خبرات وتجارب، زادت احتمالية تطرّقهم لموضوعات ولقائهم بقدوات تُعبّر عن مكنوناتهم وتُنمّي دافعهم نحو التعلم، ذلك الدافع النابع من السعادة الطبيعية العفوية التي تُصاحب المرء نتيجة لشعوره بالفضول وتعلّمه شيئًا جديدًا.
كلمّا ازدادت فرص حصول الطلاب على خبرات وتجارب، زادت احتمالية تطرّقهم لموضوعات ولقائهم بقدوات تُعبّر عن مكنوناتهم وتُنمّي دافعهم نحو التعلم
شهد فريقنا، على سبيل المثال، كيف أضحى طلاب المرحلة الابتدائية في أكاديمية قطر – الوكرة، إحدى مدارس مؤسسة قطر، مفتونون بزراعة الفواكه والخضروات في مزارعهم المحلية بعدما خاضوا مفهومًا جديدًا عندما شاركوا في حوار افتراضي مع أحد خبراء المزارع الحضرية الرأسية. ويمكن لنا تعزيز مثل هذا الاهتمام الذي نما داخل الطلاب وتحويله إلى شغف إذا أتحنا الفرصة لهم للتفاعل عن قُرب مع العاملين في مجالات الزراعة والهندسة الغذائية في مجتمعاتهم، لا سيّما إذا تضمنت مساراتهم المهنية و/ أو حياتهم الشخصية عناصر تخاطب وجدانهم. ولكن مشكلتنا تتمثلّ في أنّ منظوماتنا الحالية لم تُصمّم بشكل أساسيّ لتعزيز هذا النوع من التعلّم، إمّا بشكل مطلق أو حتى على نطاق واسع في أقلّ التقديرات، الأمر الذي يفضي إلى مواجهة العديد من الطلاب صعوبات في تحفزيهم على التعلّم خارج حدود المدرسة.
في محاولة منه لحلّ هذه المعضلة، دأب مؤتمر القمة للابتكار في التعليم "وايز" على تشجيع فرص التعلم غير النظامية للشباب القطري وتوسيع نطاقها عبر المبادرات المحلية التي ينظمها. ففي عام 2020، قمنا بإطلاق نسخة أولية مختلطة من مهرجان للتعلم في الوكرة امتد لأسبوع كامل بالتعاون مع نخبة من الشركاء المحليين والدوليين، سعيًا منّا إلى تشجيع الطلاب على الاطلاع على تجارب من الضيوف المشاركين من الخارج، وحثّهم على التفاعل الافتراضي عبر مؤسسات متنوعة في بلدانهم وتأمل القضايا التي تؤرق مجتمعاتهم. وشهدت إحدى هذه الأنشطة تنظيم جولة رقمية داخل استاد الجنوب والمساحات الخضراء التي تكتنفه بالتعاون مع أحد خبراء الاستدامة، وأتاح ذلك للطلاب معرفة أن عملية تخطيط المنطقة تضمّنت تلقي إسهامات بالأشجار من الأسر القاطنة في جوارها.
يحاول "وايز" في الوقت الراهن طرح المزيد من فرص التعلّم غير الرسمية التي من شأنها تعزيز الحافز الداخلي لدى الشباب للتعلم وذلك عبر برنامج صوت المتعلمين
وفي إحدى ورش العمل خارج الصفوف الدراسية، أتحنا للطلاب زيارة الشوارع القديمة في محيط سوق الوكرة وتوثيقها وسرد قصص مصوّرة عن بيئتها المحلية، حيث صبّ بعض الطلاب جلّ تركيزهم على قطع الأثاث القديمة التي عمدت بعض الأُسر إلى رميها والتخلص منها، بينما ركّز بعض الطلاب في قصصهم المصورة على المنازل وهندستها المعمارية وألوانها. وبوجه عام، أثارت هذه الصور مزيدًا من التساؤلات لدى الطلاب عن هذا الحيّ وعن تاريخه وقاطنيه.
دروس تعلّم الخط اللامنهجي تجري في مدرسة يابانية. المصدر: رويترز / ماساهيرو سوجيموتو
يحاول "وايز" في الوقت الراهن طرح المزيد من فرص التعلّم غير الرسمية التي من شأنها تعزيز الحافز الداخلي لدى الشباب للتعلم وذلك عبر برنامج صوت المتعلمين. وتعمل هذه المبادرة على تزويد المشاركين بمهارات التعبير عن النفس، مع بعض التعديلات في عام 2021، بحيث أصبحت سلسلة من الأنشطة خارج الصفّ الممتدة طوال العام والمتوفرة في 45 مدرسة محلية عامة للمرحلتين المتوسطة والثانوية التابعة لتسعة مؤسسات تعليمية مختلفة، وذلك كلّه بالشراكة مع وزارة التعليم والتعليم العالي. وتمكّنا خلال الجلسة الافتتاحية للبرنامج التي نظمت في شهر مارس من عام 2021 مستخدمين مناهجنا الدراسية بالتعاون مع شركائنا في التنظيم، إيدوس جلوبال وفوتو آرت قطر، من تحقيق مستويات مشاركة عالية بين الطلاب لا سيما عندما أتيح لهم ما يلي:
حاولنا من خلال هذا البرنامج والجهود البحثية المصاحبة له الوقوف على الأوضاع وإرساء القواعد اللازمة لتأسيس منظومات تعلم فعّالة في دولة قطر والحفاظ على استمراريتها
حاولنا من خلال هذا البرنامج والجهود البحثية المصاحبة له الوقوف على الأوضاع وإرساء القواعد اللازمة لتأسيس منظومات تعلم فعّالة في دولة قطر والحفاظ على استمراريتها. ويعدّ هذا مفهوم جديد بالنسبة لنا، إذ يقوم على التعاون الفعّال بين المدارس والشركات والمنظمات التي يحتضنها المجتمع بغية توفير فرص تعلم شاملة تُحفّز الدافع لدى الشباب وتعالج مجالات القصور في المجتمع، وتعزز التماسك الاجتماعي بين مختلف أطرافه.
ليس من شأن هذا، بأيّ حال من الأحوال، تقويض دور النظام التعليميّ الرسميّ، بل إنه يعمل على الاستفادة من جميع مساحات وأصول التعلم على اختلافها داخل أي مجتمع لدعم التعلّم الرسمي وتحفيز الراغبين بالتعلّم.
وإذا تمكّن الشباب من العثور على مصادر جديدة تحفزهم على التعلم خارج أسوار المدرسة، لا سيما إذا كانت بالقرب منهم داخل المجتمع، فمن شأن هذا أن يعود بالنفع على تجربة التعليم وأن يعمل على تعزيزها.