للاطلاع على آخر المعلومات والمستجدات من مؤسسة قطر حول فيروس كورونا، يرجى زيارة صفحة التصريحات الخاصة بمؤسسة قطر
الدكتور محمد غالي، أستاذ الدراسات الإسلامية وأخلاقيات الطب الحيوي في مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، كلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة، عضو مؤسسة قطر، يتحدث عن إسهامات العلماء المسلمين في التربية الأخلاقية للأطفال.
كتب علماء الإسلام كثيرًا عن مسألة الأخلاق في مرحلة الطفولة، وهي المرحلة العمرية الواقعة بين الولادة والبلوغ. وانطلقت جل كتاباتهم من دراسة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة للتعامل مع مفاهيم مركزية مثل "الذرية الطيبة" و"صلاح الأولاد".
استفاد العلماء المسلمون من الإرث المعرفي الموجود داخل الحضارة الإسلامية وخارجها، كالتراث اليوناني المترجم إلى العربية. وبمرور الوقت، أنتج علماء الإسلام نوعًا متميزًا من المؤلفات المتخصصة في التربية الأخلاقية للأطفال، ومن أبرز هؤلاء العلماء ابن سحنون (ت. 256/854)، وأبو الحسن القبيسي (ت. 403/1014)، وابن القيم (ت.751/1350)، وابن خلدون (ت. 808/1406). كما ساهم الأطباء أيضًا في هذا النوع من المؤلفات، ومن بينهم ابن الجزار (ت. 369/979) الذي خصص فصلًا كاملًا للتربية الأخلاقية للأطفال في مؤلفه عن طب الأطفال.
تناول علماء الإسلام مجموعة كبيرة من القضايا الأخلاقية المتعلقة بالأطفال في الأعمال التي ألفوها ضمن معارف وعلوم محددة
وإلى جانب هذه المؤلفات المتخصصة في التربية الأخلاقية للأطفال، تناول علماء الإسلام مجموعة كبيرة من القضايا الأخلاقية المتعلقة بالأطفال في الأعمال التي ألفوها ضمن معارف وعلوم محددة مثل الفقه وأصول الفقه والعقيدة والفلسفة. بالإضافة إلى ذلك، تناولت المؤلفات المتعلقة بالآداب العامة (الحسبة)، مهنة تعليم الأطفال وما يجب على ممارسي هذه المهنة من الالتزام بقواعد أخلاقية معينة. ومن اللافت للنظر في هذا السياق أن بعض الأعمال التاريخية قد سلطت الضوء على مسيرة الأطفال الذين تولوا مناصب قيادية في عالم السياسة.
وبالبحث في هذه المؤلفات الضخمة، يمكننا القول بأن العلماء المسلمين قد اتفقوا على أن خلق نموذج "الذرية الصالحة" يقوم على قاعدتين أساسيتين يجب أخذهما في الاعتبار بشكل متساوٍ ومتزامن.
رأى العلماء المسلمون أن أفعال الأطفال لا يمكن تصنيفها على أنها "غير أخلاقية" أو "آثمة" لأن الأطفال، من منظور أخلاقي، غير مكلّفين
ففيما يتعلق بالقاعدة الأساسية الأولى، ذكر العلماء أن محدودية القدرات المعرفية للأطفال تجعل وعيهم الأخلاقي غير مكتمل. وهذا ما يفسر سبب إعفاء الله لهم من تكاليف دينية و التزامات أخلاقية يُحاسب عليها البالغون الراشدون، وذلك انطلاقًا من مبدأ العدالة الإلهية الذي يقضي بأن التكليف منوط بالقدرة.
وفي هذا السياق لا يفرض على الأطفال شرعا أداء الصلوات الخمس، أو صيام شهر رمضان، أو أداء مناسك الحج. وبناء على ذلك، رأى العلماء المسلمون أن أفعال الأطفال لا يمكن تصنيفها على أنها "غير أخلاقية" أو "آثمة" لأن الأطفال، من منظور أخلاقي، غير مكلّفين.
أما القاعدة الأساسية الثانية، فقد رأى علماء الإسلام أن الطفولة هي الفترة المثلى لغرس القيم الأخلاقية والعادات الفاضلة، ولم يُنظر إلى الأطفال على أنهم صالحون أو فاسدون بطبيعتهم، ولكنهم أشبه بتربة خصبة (أي صحاب شخصية محايدة) يمكن زراعتها بمحاصيل مفيدة أو ضارة (أي الفضائل والرذائل).
رأى علماء الإسلام أنه يجب تشجيع الأطفال وتحفيزهم على اكتساب المُثُل الأخلاقية، لأن ذلك سيعود عليهم بالنفع عند بلوغ سن الرشد
لهذا، لا ينبغي ترك الأطفال دون تعليم أخلاقي متين، وذلك بهدف مساعدتهم على عيش حياة أخلاقية حين يبلغون مرحلة الرشد وسن التكليف. كما رأى العلماء أن غياب هذا التعليم الأخلاقي المبكر قد يكون مكلفًا للغاية، لأن مهمة إصلاح شخصية البالغين غالبا ما تكون أكثر صعوبة وتعقيدا.
ومن خلال دمج هاتين القاعدتين الأساسيتين، رأى علماء الإسلام أنه يجب تشجيع الأطفال وتحفيزهم على اكتساب المُثُل الأخلاقية، لأن ذلك سيعود عليهم بالنفع عند بلوغ سن الرشد. ومن ناحية أخرى، ينبغي أيضا إعطاء الأطفال الفرصة لتلبية احتياجات الطفولة، بما في ذلك اللعب والترفيه عن أنفسهم. كما شدد العلماء على أن أشكال العقوبة المصممة لتقويم البالغين حين يخطئون لا تنطبق عادة على الأطفال، مهما فعلوا، لأنهم غير مُكلّفين.
كان العقاب الجسدي بشكل عام محل قبول في معظم الأوساط العالمية بوصفه أحد أدوات التربية الأخلاقية، واستمر هذا الموقف حتى القرن الثامن عشر تقريبا. إلا أن جل علماء الإسلام قد اتفقوا على أنه لا يجوز استخدام العقوبة البدنية إلا بعد استنفاد جميع الوسائل الأخرى الممكنة وفي ظل شروط صارمة. فعلى سبيل المثال، حظروا جميع أشكال العقوبات القاسية التي تهدف إلى إذلال الأطفال وتقويض كرامتهم لأنها تتعارض في النهاية مع أهداف التربية الأخلاقية ذاتها. وأوضح بعض العلماء أن العقوبة الجسدية لا تمثل أداة فعالة لتربية بعض الأطفال، بل ويمكن أن تأتي بنتائج عكسية، ولذلك رأوا منع العقوبة الجسدية عند التعامل مع هذه الفئة من الأطفال.
وفقًا للدكتور محمد غالي، من الضروري أن يتعامل مسلمو اليوم بشكل نقدي وبنّاء مع تخصصات حديثة مثل علم النفس التنموي، أنثروبولوجيا الأخلاق، علم الاجتماع المتعلق بالطفولة.
وقد أظهر بعض العلماء، مثل ابن خلدون، تحفظات أكبر وبينوا أن العقاب البدني في ذاته وبغض النظر عن نتائجه ينطوي على إشكالات جوهرية. فقد أوضح ابن خلدون أن معاقبة الأطفال، كجزء من العملية التعليمية، يمكن أن يخلق في النهاية أجيالًا من المنافقين الذين سيفقدون قيمة الدفاع عن آرائهم ومواقفهم في العلن.
إلى جانب الاستفادة من الإرث الغني عن الأخلاق والطفولة في منظومة الإسلام المعرفية والتي امتزجت مع الإرث المعرفي لحضارات أخرى، من المهم أن يتعامل مسلمو اليوم بشكل نقدي وبنّاء مع تخصصات حديثة مثل علم النفس التنموي، أنثروبولوجيا الأخلاق، علم الاجتماع المتعلق بالطفولة، والتي ساهمت جميعا في تطوير مجال متعدد التخصصات يعرف بــ "دراسات الطفولة". فعلى سبيل المثال، يوضح الإنتاج العلمي لهذه التخصصات كيف يمكن الوصول إلى نموذج "الولد الصالح" دون اللجوء إلى وسائل إشكالية مثل العقاب البدني، والتي مثلت بالفعل إشكالية أخلاقية في نظر علماء المسلمين الأوائل أنفسهم.