للاطلاع على آخر المعلومات والمستجدات من مؤسسة قطر حول فيروس كورونا، يرجى زيارة صفحة التصريحات الخاصة بمؤسسة قطر
الدكتورة شاهينا جانجوها-جيفراج، الأستاذ المشارك في جامعة الدراسات العليا لإدارة الأعمال HEC Paris في قطر، إحدى الجامعات الشريكة لمؤسسة قطر، تكتب عن مساهمة المرأة في القوى العاملة، ودور هذه الكفاءات بالاقتصاد أكثر من السابق
بينما نتعافى من تأثير جائحة كوفيد-19 في مراحلها الأولى، ما تزال حالة عدم اليقين تسود جميع أنحاء العالم لا سيما بخصوص استمرارية هذه الجائحة. عند النظر من ناحية النوع الاجتماعي (الجندر)، نرى تأثيرات الجائحة في تفكك مسيرة التقدم الاقتصادي والاجتماعي خلال وقت قصير، الأمر الذي يدعو إلى دقّ نواقيس الخطر، ويتطلب تجاوز ذلك اتباع نهج متعدد الجوانب يعالج العوامل الاقتصادية، الاجتماعية، الصحية، والتعليمية.
تقول ميليندا جيتس، الرئيس المشارك لمجلس إدارة مؤسسة بيل مؤسسة بيل وميليندا جيتس، إن أوجه عدم المساواة التي كشفت عنها الجائحة تؤكد الحاجة إلى تعزيز دور النساء في عملية التعافي. لكن الطريق إلى الهدف ما يزال طويلًا أمامنا، حيث تشير بيانات الأمم المتحدة الصادرة لغاية مارس 2021 إلى أن 13 في المائة فقط من أصل 2280 إجراءً خاصًا بجائحة كوفيد-19 تناولت الأمن الاقتصادي للمرأة، وهي إجراءات متعلّقة بسوق العمل والتدابير المالية والاجتماعية. وصرّحت رئيسة هيئة الأمم المتحدة للمرأة، فمزيلي ملامبو نجوكا، "من غير المعقول أن نتمكن من معالجة أكثر الأزمات تمييزًا بين الجنسين دون المشاركة الكاملة للمرأة".
تزيد احتمالية خسارة النساء لوظائفهن خلال الجائحة بحوالي الضعف مقارنة بالرجال، وهو أمر ليس مفاجئًا عند الأخذ بالاعتبار أن القطاعات الأكثر تضررًا هي التي توظف معدلات أعلى من الإناث، مثل الضيافة والسياحة وتجارة التجزئة، إضافة إلى النساء العاملات في قطاعات الظل حيث لا إجازات مرضيّة أو تأمين. صحيّ. ورغم تفاقم عدم المساواة الاقتصادية بين الجنسين في الاقتصادات النامية، إلا أن الجائحة أظهرت الترابط بين البلدان من هذه الناحية، ولذلك لا يمكننا التعافي إلا بإشراك الجميع.
يتخذ نمط منحنى التعافي بعد جائحة كوفيد-19 شكل الحرف K بالإنجليزية، والذي تشير أضلاعه إلى وجود مسارات مختلفة للقطاعات الاقتصادية، بحيث يسير بعضها في اتجاه مختلف عن الآخر. وقد بيّن المنتدى الاقتصادي العالمي أن الشركات والمؤسسات الكبيرة تتعافى بسرعة أكبر من المتوسطة والصغيرة نظرًا لإمكانية حصولها على التمويل المباشر من التحفيز التي تقدمه الحكومات والبنوك المركزية، في حين يزداد تهميش الشركات الصغيرة والقطاعات التي تأثرت بشكل مباشر بجائحة كوفيد-19 ويضعها أمام خطر الإغلاق والخروج من السوق.
وإذا ألقينا نظرة على الاضطرابات التي عانت منها العائلات نتيجة تعطل التعليم الرسمي، نجد أن النساء يتحملن إلى حد كبير مسؤولية دعم التعلم من المنزل، حيث غالبًا ما تكون النساء من الجيل الوسط، وهو الجيل الذي يتعين عليه رعاية الجيل الذي سبقه ويليه من الأسرة أي الآباء والأطفال. نجد أن تلبية احتياجات كلا الجيلين تقع ضمنًا على عاتق النساء، ومع التحديات التي تفرضها متطلبات العمل تجد المرأة صعوبة في الجمع بين الاثنين وبالتالي تضطر إلى التخلي عن عملها.
إن فقدان الكفاءات النسائية يضرّ بالاقتصاد، لذا تحتاج المؤسسات والشركات -اليوم أكثر من السابق- إلى كفاءات متنوعة وكوادر شاملة لإيجاد حلول مبتكرة قابلة للتطبيق من الناحية المالية، حيث تُظهر الكوادر المتنوعة بين الجنسين ربحية أفضل بنسبة 25 بالمائة وفقًا لشركة ماكينزي (2020)، وزيادة في عائدات الابتكار بنسبة 40 بالمائة وفقًا لمجموعة بوسطن الاستشارية (2018).
في قطر، ارتفع عدد الخريجات بشكل مطرد من 43 بالمائة في عام 2012 إلى 68.2 بالمائة في عام 2019. على مدار السنوات التسع الماضية، اكتسبت قطر قوى عاملة نسائية ذات كفاءة وحاصلة على شهادات تعليمية عالمية عالية. ولا شك أن توجيه ذلك نحو النشاط الاقتصادي يوفر البنية التحتية لبناء كوادر متنوعة تدعم أجندة التقدّم الوطني.
من هذا المنطلق، يجد القادة أنفسهم أمام سؤال محوري، وهو كيفية استقطاب الكفاءات المتنوعة لضمان بناء كوادر قادرة على تجاوز حالة عدم اليقين المتزايدة، وتقديم حلول فعالة للتحديات المعقدة. خلال منتدى قطر الاقتصادي الذي عقد في يونيو 2021، جمع نقاش بين هيلاري رودهام كلينتون، وزيرة خارجية 67 للولايات المتحدة الأميركية، وسعادة الشيخة هند بنت حمد آل ثاني، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمؤسسة قطر، حيث سلطت سعادتها الضوء على التحديات التي تعيق المشاركة النسائية في الاقتصاد، قائلة: "إن منظومة العمل العالمية الحالية لا تلبي نمط حياة المرأة، وكذلك هو الحال بالنسبة للمنظومة التي سبقتها... لماذا يجب على النساء الفصل بين المهام الوظيفية والأسرية؟ إذا ما نظرنا إلى النساء على مرّ التاريخ، لم تكن تلك الطريقة التي يعملنّ بها، لأنه في حقيقة الأمر لا وجود للفاصل بين العمل والحياة".
يولي القادة الذين يعملون على "إعادة البناء بشكل أفضل" الثقافة اهتمامًا كبيرًا في صميم عملية التحول، وخاصة ممارسات العمل التي توفر نوعًا من المرونة في مواجهة الاضطرابات قصيرة المدى وذات التأثير المحدود على الأداء.
لم تعد الحاجة إلى التنوع شعارًا رنانًا أو توجهًا قياديًا، بل جزءًا لا يتجزأ من العمل نفسه، لذا فإن أساليب العمل الحديثة تحتاج إلى تبني ثقافة داعمة لتنوع القوى العاملة. وتتطلب القوة العاملة التي توازن بين الجنسين الانتباه إلى ثلاثة محاور أساسية وهي: التوظيف، القدرة على الاحتفاظ بالقوى العاملة (الموظفين)، وترقية الموظف؛ بالإضافة إلى نهج مختلط يجمع بين المعايير التي تضعها السياسات والسلوكيات والثقافة، وتحديدًا تطوير سلوك القيادات بهدف ترسيخ ثقافة تشمل الجميع. سيساعد التزام القادة بالسعي نحو تحقيق التنوع بين الجنسين، على توجيه الاهتمام والموارد إلى الطريق الصحيح، وكذلك إظهار الالتزام تجاه المرأة التي تعتبر مشاركتها أساسية في إنشاء منظمات قوية ومبتكرة.
لتحقيق تطلعات رؤية قطر الوطنية 2030، ولكي تتمكن المؤسسات من إعادة البناء بشكل أقوى، من الضروري إشراك المرأة لتحقيق النجاح على جميع المستويات، ولا سيما الأدوار القيادية العليا لتقديم حلول جديدة.
هذا ويتطلب الأمر تطبيق أسلوب عمل جديد يتضمن معالجة مبتكرة لأنماط العمل الحالية، مع توفير الفرصة أمام القادة لدعم الابتكار في كوادرهم. وعند تضمين الحلول المبتكرة في مساعي المؤسسة، فإن الكوادر القوية والمتنوعة، المدعومة بثقافات العمل الجديدة، ستتعامل مع التعقيدات التي نواجهها بطرق مبتكرة.
يجد القادة أنفسهم اليوم أمام فرصة استثنائية لإطلاق أجندة نحو التقدّم تتمركز حول النوع الاجتماعي؛ من أجل إعداد مؤسساتهم للتأقلم مع الوضع الجديد.