للاطلاع على آخر المعلومات والمستجدات من مؤسسة قطر حول فيروس كورونا، يرجى زيارة صفحة التصريحات الخاصة بمؤسسة قطر
الأسبوع الثقافي الفلسطيني في مكتبة قطر الوطنية في المدينة التعليمية يُناقش مراحل تحوّل الكوفيّة الفلسطينية من زي شعبي تقليدي إلى رمز للنضال
أضحت "الكوفية الفلسطينية" بلونيها الأبيض والأسود جزءًا لا يتجزأ من هوية الفلسطينيين ورمزًا تراثيًا هامًا في تاريخ النضال الفلسطيني، بل أنها باتت اليوم شعارًا يتغنى به الفلسطينيون ويدمجونه في الأناشيد والأغاني التراثية الفلسطينية في الحفلات والأفراح والمناسبات الوطنية. فما هيّ جذور الكوفية؟ وكيف تحوّلت من كونها زيًا شعبيًا إلى رمز وطني للنضال الفلسطيني؟
من العراق إلى فلسطين
أوضح الدكتور يحيى زكريا الأغا، سفير الشؤون الثقافية والتعليمية في السفارة الفلسطينية، ونائب رئيس مجلس إدارة المدارس الفلسطينية، والذي كان من بين المشاركين في فعاليات الأسبوع الثقافي الفلسطيني الذي تنظمه مكتبة قطر الوطنية في المدينة التعليمية، بأن لاسم "الكوفية" نصيب من المدينة التي تُنسب إليها، وهي مدينة "الكوفة" العراقية، ويقول: "تختلف الكوفية العراقية عن الفلسطينية من حيث ألوانها، حيث يطغى اللون الأسود على الكوفية العراقية، بينما يطغى اللون الأبيض على الكوفية الفلسطينية. ويُمكن القول أن الكوفية وصلت إلى فلسطين زمن الانتداب البريطاني، حيث كانت البلاد مفتوحة على بعضها دون حواجز أو حدود".
اكتسبت الكوفية شعبية بين الناشطين المتضامنين مع الفلسطينيين بين الأفراد والساسة وخاصة في المحافل الدولية
يتابع: "يُمكن تعريف الكوفية الفلسطينية على أنها وشاح أبيض وأسود يوضع عادة حول الرقبة، أو مع العقال على الرأس. أو حسب الموقف، والمناسبة، وتتخذ شكلاً مربعًا (120سم x 120سم) ويزين محيطها شراشيب، وتُصنع من الحرير أو القطن أو الصوف، ويوجد المصنع الوحيد لإنتاج الكوفية الفلسطينية في مدينة خليل الرحمن في فلسطين، وهو مصنع الحرباوي للغزل والنسيج".
أمـا من حيث الرموز المطرزة على الكوفية، يقول الدكتور الأغا أن: "هناك من يقول أن تطريز الكوفية بشكلها يرمز إلى شبكة الصيد التي ترمز إلى التلاحم بين الأفراد، في حين ترمز الخطوط الأخرى الموجودة على جانبيها إلى ورقة الزيتون، التي تعد رمز الأصالة الفلسطينية، فشجرة الزيتون بالنسبة للفلسطينيين هي الحياة أو الموت، فهي ثروة الفلسطينيين، ورُبما يكون هذا التفسير صحيحًا".
"اعتَمِر كوفيتك واتبعني"
أخذت الكوفية الفلسطينية الشكل النضالي والثوري في فلسطين، فأصبحت جزءاً من مكوّن الحياة فيها، وتحديداً منذ الثورة العربية الكبرى في فلسطين عام 1936. وفي هذا الصدد يقول الدكتور الأغا: "ارتبطت الكوفية الفلسطينية بالتاريخ النضالي الفلسطيني، لأسباب لها علاقة بالثورة، لتخفيف الضغط على الفدائيين من الاعتقال، ولحماية الثورة ، بعد أن قام أحد الفدائيين بعملية عسكرية، قَتل وجرح عدداً من الجنود البريطانيين، وهرب أحدهم إلى قاعدته، وأخبر قائد القاعدة بأن مَن قام بالعملية هو رجل ملثم، فبدأ البحث عنه في كل مكان، فما كان من قيادة الفدائيين إلا أن أصدرت بياناً للجميع بالتخلي عن الطربوش الذي كان يُلبس على الرأس حمايةً من أشعة الشمس، واعتمار الكوفية حتى لا يتعرف الجنود على منفذ العملية".
كما يُشير الدكتور الأغا، إلى أن أهميّة الكوفية تضاعفت عام 1974 عندما اعتمرها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ووقف أمام العالم في الأمم المتحدة، وخاطب الجميع باعتزاز، فأصبحت منذ ذلك التاريخ أكثر انتشاراً بين فئات المناضلين في كل مكان، بل وأصبحت جزءاً من الذاكرة البصرية المرتبطة بنضال الشعب الفلسطيني، وكرمز للكفاح الفلسطيني".
نظراً لِما تمثله الكوفية من أهمية كبيرة وما ترمزه من معانٍ ودلالات، وتأثيرها المباشر على المحتل، ظهرت محاولات عدة، لسلب مضمون هذه الرمزية
ويوضح: " لقد أصبحت الكوفية بعد ذلك رمزًا وطنيًا فلسطينيًا هامًا في التصدي للمحتل، ولاحقاً للتعبير عن التحدي، ورفضًا للظلم والقهر والاضطهاد، وأخذت طريقها في الانتشار في جميع المناطق الفلسطينية، ويعتمرها الفلسطينيون في كل المناسبات، الاجتماعية والسياسية وفي الحقول الزراعية والأرياف. كما اكتسبت شعبية بين الناشطين المتضامنين مع الفلسطينيين بين الأفراد والساسة وخاصة في المحافل الدولية، وبذلك تحوّلت الكوفية من كونها غطاء للرأس إلى رمز للنضال والكفاح، بل وأصبحت جزءًا من التراث الفلسطيني يتساوى مع الإبرة الفلسطينية في خياطة الثوب الفلسطيني".
بين الوطنية و"الموضة"
نظرًا للقيمة الوطنية التي تحملها الكوفية الفلسطينية، كانت هناك الكثير من أشكال الاستغلال الثقافي ومحاولات طمس الرمزية الوطنية المرتبطة بها، وعلّق الدكتور الأغا على ذلك قائلاً: "نظراً لِما تمثله الكوفية من أهمية كبيرة وما ترمزه من معانٍ ودلالات، وتأثيرها المباشر على المحتل، ظهرت محاولات عدة، لسلب مضمون هذه الرمزية، وتحويلها إلى مجرد لباس يوضع في أي مكان، فعمل المحتل بكل الطرائق على سرقتها بأسلوب أحسبه ماكراً، كما سرق ويسرق الأرض، والتراث وذلك من خلال طمسٍ لمعالمها، بتغيير ألوانها لتدخل عالم الموضة العالمية، فأدخل ألواناً مختلفة عليها، وتحولت من اللون الأبيض والأسود إلى مزيج من الألوان، ولكن كل هذا لم ينل منها، ولا من شكلها الأصلي".
كما تطرّق الدكتور الأغا إلى شرح الآليات المختلفة لاعتمار الكوفية مشيرًا إلى أن "المكان الرئيسي للكوفية" الرأس أو الصدر، ولا مكان سواه، فلا توضع غطاء لمنصات أو على الطاولات لإلقاء الكلمات أو الخطب، ولا توضع أيضاً أسفل الخصر لأداء الرقصات الشعبية المعروفة بـ"الدبكة الفلسطينية"، كما تجاوز وضعها على الرأس والكتف، إلى لفّ الشهيد الفلسطيني بها من ناحية الرأس إلى مثواه الأخير، وهذه رمزية أخرى تضاف إلى رمزيتها الثورية".
تبقى الكوفية رمزاً من رموز السيادة والهوية والوجود والثورة، يعتمرونها على الرأس، أو الصدر، أو ملثماً بها، حيّاً أو ميتاً، فهي الموحد للشعب الفلسطيني، وهي اللغة المشتركة بينهم في الداخل والخارج
ويقول الدكتور الأغا: "لقد أخذ ارتداء الكوفية صورة جلية في المجتمع الفلسطيني وللجنسين على السواء، ويتم وضعها بأشكال مختلفة، فمنهم من يضعها على الرأس، ومنهم من يضعها على الكتف والصدر، ومنهم من يلفها على الرقبة، وفي كل الأشكال، تعكس رمزية وطنية للمتلحفين بها".
وأردف قائلاً: "تنتشر الكوفية بشكل واسع في القرى والتجمعات العربية البدوية وخصوصاً في منطقة النقب في فلسطين، وكذلك في قرى الضفة الغربية وقطاع غزة وخصوصًا بين الفلاحين، وكما يقول أحد كبار السن، كانت ومازالت الكوفية والعقال رمزًا لكبرياء الرجل، وأقصى درجات الإهانة والتحقير أن تأخذ عقال أحدهم عن رأسه وتلقيه أرضًا، هي لحظات أهون منها الضرب بحد السيف، وكانت كفّارة عملٍ كهذا دفع تعويض كبير ومراسم صلح، أو العداء والصدامات ومحاولات الأخذ بالثأر".
مصدر الصورة: Chedly Ben Ibrahim، عبر موقع Reuters
اليوم الوطني للكوفية
نظراً لمكانة الكوفية، وما تمثله من رمزية نضالية، فقد حددت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية يوماً وطنياً للكوفية يتزامن مع ذكرى إعلان وثيقة الاستقلال، حيث يرتدي الفلسطينيون الكوفية، باعتبارها رمزًا موحدًا لجميع الفلسطينيين في الداخل وحول العالم، وربطاً للأزمنة النضالية بدءاً من الثورة، وصولاً إلى الانتفاضتين، وغيرها من المناسبات المركزية للفلسطينيين، وليكون يوماً يستشعر به الفلسطينيون الحرية، ويُسهم في تعزيز الوعي الوطني الجمعي لدى الجيل الجديد.
يختتم الدكتور الأغا حديثه قائلاً: "تبقى الكوفية رمزاً من رموز السيادة والهوية والوجود والثورة، يعتمرونها على الرأس، أو الصدر، أو ملثماً بها، حيّاً أو ميتاً، فهي الموحد للشعب الفلسطيني، وهي اللغة المشتركة بينهم في الداخل والخارج، وحيث ما هي، فهي عنوان الثورة، والنضال".